هل أفلست الرأسمالية؟؟

 

 

                  السفير / جمــال الديــن البيومــى    

أضرت الأزمة المالية العالم ضررا كبيرا بمصداقية مبادئ الليبرالية الاقتصادية. فقد  ترك الأمر لقوانين السوق ، ولم تمارس الدول والحكومات ومؤسساتها دورها كموجه للسياسات، ورقيب، وحكم بين أصحاب المصالح. فأدي ذلك إلي كوارث اقتصادية ومالية قاتلة، عندما تمكنت الرغبات الجامحة لبعض الجشعين بل واللصوص من اختراق النظام والوصول إلي ثراء فاحش قائم علي غير أساس اقتصادي.  

وفي هذا المناخ وحالة الجزع التي سيطرت علي المتعاملين، حاول البعض التشفي في الاقتصاد الرأسمالي، وطالبوا بالعودة لملكية الدولة لأدوات الإنتاج، في إطار حل اشتراكي  يأخذ بنظام التخطيط الشمولي.

ومن جانبهم تمسك مؤيدو الرأسمالية بأن النظام بخير، لكن أفسده بعض الخارجين عليه.  وبالتالي يرون مواصلة عمل النظام الرأسمالي بعد "إصلاحه". لكن من الخطأ تحليل الأزمة بمنطق عقائدي اشتراكي أو رأسمالي وتغييب مصلح عموم المواطنين والوطن.

فالذين انتابتهم حالة من التشفي فيما جري للاقتصاد الحر، نسوا ما جري وراء الستار الحديدي قبيل سقوط حائط برلين سنة 1989. ونسوا فضائح قادة هذه النظم وحكوماتها، وكمّ الفساد الذي تركته وراءها. ونسوا أن آلاف البشر الذين عبروا إلي غرب برلين يوم انهيار الحائط اندفعوا لشراء ما أمكنهم الوصول إليه من سلع بسيطة افتقدوها، كالموز والشيكولاته التي كان النظام التمويني الشرقي لا يري من حق شعوبه التطلع إليها. وقصر مثل هذا الحق علي قادته. ولعلنا في مصر لم نفتقد طوابير الدواجن والزيت والصابون ولمبات الكهرباء .. وغيرها .. لا أعادها الله ..

لقد قام النظام الرأسمالي ليساند حرية الناس في الاختيار لتحقيق مصالحهم بائعـين ومشترين. واستند إلي فرضية أن حركة النظام قادرة علي تصحيح مساراته ذاتيا، بالقدرة علي الميل نحو محصلة مصالح أغلبية قوي السوق. وتضمن ذلك قواعد المنافسة الكاملة والمساواة بين جميع اللاعبين، وتوفر المعرفة والشفافية التامة بأوضاع السوق لجميع الأطراف، في حماية القانون وتمكين العدالة وتوفر نظم المحاسبة والمراجعة.

والذي حدث هو أن أطراف الكارثة المالية الأخيرة خانت شروط وأسس النظام الحر. فحجبت المعلومات، وعبثت في الحسابات والمراكز المالية. وسمحت لها الرقابة المحاسبية والمالية بذلك، أو تغافلت عنه، أو شاركتها في الربح الحرام. فوجدت ثغرات غير مسبوقة تسمح باختراق النظام. وبذلك اختلت الرقابة وعجزت عن السيطرة علي القدرة الهائلة علي توسيع حجم عمليات المخاطر التي اقتحمت السوق. مما خلق وضعا جديدا يبتعد بمراحل عن النظام الحر بشروطه الأساسية. وصار بإمكان اللاعبين الجدد أن يتوسعوا في خلق حجم فلكي من الائتمان والقروض الرديئة أو المسمومة، والرهونات الوهمية، والتأمين علي الفراغ ...الخ .. واحتالوا علي سيطرة الدولة علي إصدار النقود، فأصدروا هم خطوط ائتمان وأوراق مالية فاسدة وباعوها أو أمّنوا عليها.

ولا يمكن إرجاع الكارثة إلي الفساد والتزوير وحدهما. وإلا خلقنا حجة مريحة لإطلاق الكارثة القادمة. فالفساد والتزوير استغلا ثغرات في النظام الذي اخفق في تفعيل المراقبة الذاتية. وصار مؤكدا الآن أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد فقط علي أجهزة النظام "الحر" الحالية، ولا إلي أساليبه القديمة. فكلها صارت بحاجة إلي إعادة نظر. والقول بتفعيل الرقابة الذاتية للنظام لم يعد يفيد. كما أن الوقت الحالي ليس وقت التفضيل بين الأيديولوجيات ونظم الاقتصاد. بل المهم الأخذ بكل ما يفيد في وضع نظام يدار بشفافية ورقابة واضحة. علما بأن الأخذ بنظام شديد التقييد ربما يجهز علي البقية الباقية من الأنشطة الاقتصادية. والمطلوب تبني حلول تأخذ في الاعتبار أن كل من الأيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية ليست أصناما للعبادة. وإنما وسائل وأفكار نأخذ منها ما يداوي أمراضنا ويرفع من قدراتنا.

ماذا بعد .. !!  

هناك مؤشرات لم تتأكد بعد علي أن الأزمة بلغت أدني درجات القاع. وأن أسوأ كارثة اقتصادية عالمية عاصرها هذا الجيل ربما بدأت تتراجع. وهذا هو الجانب الطيب من الأخبار. لكن الملفت أن كل الحلول التي قدّمت للعلاج اعتمدت علي التدخل الحكومي بتكلفة فلكية بلغت في موجتها الأولي في الدول العشرة الغنية حوالي 3000 مليار دولار. تحملها دافعوا الضرائب من موازنات تلك الدول. والبقية تأتي. مما أقلق أعضاء في الكونجرس الأمريكي، وزعماء في أوربا من نوعية أنجيلا ميركل (ألمانيا) فنادوا بالتأكد من الآتي:

ý     ضمان أموال دافعي الضرائب التي يجري ضخها، بحيث تستخدم لشراء ملكية في المؤسسات المتعثرة.

ý     ألا تصب الأموال في جيوب طبقة المديرين الفاسدين الذين تسببوا في الأزمة بمرتباتهم ومكافئاتهم الفلكية.

ý     تأمين حقوق المستثمر الصغير الذي سعي لتملك مسكنه وليس للمضاربة العقارية.

وربما تنتهي الأزمة المالية برفع العبء عن البنوك وشركات التأمين والتمويل وصناع السيارات. لكنها ستنتهي مخلفة أعباءّ غير مسبوقة في العصر الحديث علي كاهل الحكومات العشرة الغنية التي عليها أن تتعايش مع الحقائق التالية وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي:

ü      ترتفع مديونية الحكومات العشرة الغنية من نسبة 78% من إجمالي نواتجها القومية، إلي نحو 114% من تلك النواتج في        عام 2014، ليتحمل كل مواطن فيها بمديونية تصل لنحو 50 ألف دولار. تمثل دخله في عامين.

ü      تضطر أغلب الحكومات للحد من الإنفاق للتحكم في حجم مديونياتها، وستقبل تلك الدول بمعدلات نمو أقل.

ü      ترتفع تكلفة صناديق المعاشات والعناية الصحية حيث أن نحو ثلث سكان تلك الدول سيصلحون فوق سن الستين سنة خلال        العقود الثلاثة القادمة.

ü      ما زالت ظاهرة عدم التأكد تتحكم في سلوك الكثيرين. وستظل الأسلحة المالية والنقدية (كأسعار الفائدة وتمويل الموازنات         واستهداف قدر من الانكماش أو التضخم) تحدث أثرها في جانب .. وعكسه في جانب آخر. مما يتطلب الحرص في تخـير         مجموعة السياسات المناسبة.

ü      يستتبع ذلك الحذر من ضخ سيولة بكميات كبيرة في السوق. لأنها مثل زيادة سيولة دم مريض معرض للنزيف. كما أن الأخذ        بسياسات انكماشية قد يعيد الأزمة للتفاقم حتى بعد تعافي الاقتصاد. لأن تعافيه لا يعني أنه قوي.

ü      سيتعين الحد من الإنفاق الحكومي بدلا من زيادة الضرائب، التي يجب إصلاح أنظمتها.

وصفة للعلاج:

  1. توفير السيولة والتمويل اللازمين للأسواق الصاعدة كالبرازيل وتركيا والمجر وبولندا، وغيرها. ومساعدتها علي عدم استنزاف احتياطياتها. (وتقع مصر في هذه الفئة) وتبني اقتصادات كالصين والهند وكوريا الجنوبية لسياسات اقتصادية كليّة توسعية بالتنسيق فيما بينها، بما يؤدي لزيادة الإنفاق علي الإسكان العام والبنية الأساسية.

  2. دعم البنية الأساسية في أوربا واليابان، وزيادة الإقراض لتمويل المشروعات التي تنفذها شركاتها والشركات المحلية في بلدان آسيا وأفريقيا.

  3. قيام دول الشرق الأوسط – ذات الفوائض المالية – بتمويل مشروعات الاستثمار في دول الاقتصاديات الصاعدة وتلك الأقل دخلا، ومواصلة الحفاظ علي الإنفاق الداخلي، رغم انخفاض أسعار البترول. فكلما كان التوسع علي مستوي الاقتصاد الكلي أسرع كلما أمكن استعادة أسعار البترول لأوضاعها بشكل أسرع أيضا.

  4. يتعين علي الدول الصناعية الكبرى التوسع في ضمان صادراتها إلي أسواق الدول النامية متوسطة ومنخفضة الدخل، كوسيلة تحفيز لمواجهة آثار الدورة الاقتصادية، بتشجيع زيادة الطلب علي شركات البنية الأساسية في الدول الكبرى، ومواجهة احتياج الدول النامية لاستكمال بنيتها الأساسية وتوفير التمويل اللازم لذلك.

  5. تبني سياسات مالية توسعية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، بالرغم من العجز في موازناتها، علي أن يركز التوسع الأمريكي علي البنية الأساسية وتوفير السيولة.

  6. ويعني ذلك تبني الاتجاه للتوسع علي المستوي الكلي العام، وتجنب الاتجاهات الانكماشية، وتمويل البني التحتية والخدمات اللازمة للحفاظ علي أداء اقتصادي نشط. ومن المتوقع إذا نجحت هذه الحزمة من السياسات في وقف الركود في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، أن تنفك الأزمة أيضا في الدول النامية. ويمكن أن يوفر ذلك الأرضية اللازمة لدعم البناء الاقتصادي العالمي واستعادته لقوته.

  7. يتوقع نزوح الاستثمارات من الأسواق غير المأمونة، إلي أسواق أكثر أمانا وأقل مخاطرة ومغامرة. ومن المتصور أن تستفيد دول الأسواق الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل. بجذب استثمارات إضافية آمنة. لكنها قد تعاني من انخفاض الطلب علي صادراتها في الأسواق التي ضربتها الأزمة. وينطبق هذا الاحتمال علي فرص مصر كملاذ آمن للاستثمار والتجارة إذا أحسنا إدارته خلال الأزمة.

هل أفلست الرأسمالية:

قد تختلف آراء الناس حول نظريات الحكم ونظم إدارة الاقتصاد. لكن المؤكد أن أي نظام مهما حسنت مظاهره وزادت إغراءاته لبعض الطبقات، فإنه لا يفلح دون إدارة سلطة قوية ومحايدة له. تراقب الأداء، وتمنع افتـئات جانب من المجتمع علي الآخرين. وتضمن التوازن بين مصالح المنتجين والعمال والمستهلكين. وتكون الدولة هي الحامي للنظام والحكم بين أصحاب المصالح. تضع السياسات ولا تبيع البيجامات والسندونشات. وفي كلا النظامين الاشتراكي (بل والشيوعي) من جانب، مقابل الرأسمالي والحر من جانب أخر، تحدث الكوارث إذا ترك الأمر للنفس البشرية. فالملاحظ في النظريتين أنهما تشتركان في مثالية حلمتا بها معتمدة علي أن البشر قد يرتفعون إلي مصاف الملائكة:

ü  فمن ناحية اعتمدت الشيوعية علي ولاء الأفراد الكامل للنظام، واقتناعهم بمبدأ "من كل علي قدر طاقته ولكل علي قدر حاجته". لكن عندما علم الناس بسلوك القيادات، وأن أحدي هوايات زعيم أكبر دولة شيوعية كانت اقتناء السيارات الفارهة، هوي النظام إلي القاع.

ü  أما الرأسمالية فقد افترضت أنها نظام مثـالي، يصحح نفسه بنفسه وأن أجهزة الرقابة فيه لا تخترق. لكن لصوص النظام ابتدعوا وسائل موازية لوظيفة إصدار النقود، بأن خلقوا الائتمان إلي درجة خلق الوهم. وسيدفع العالم كله الثمن بقدر أو بآخر.

ولا بديل في النهاية عن دور الدولة القوية. إما يسارا بالسيطرة علي الإنتاج ووسائله والقيام مباشرة بالتوزيع. أو يمينا بالسيطرة علي السياسات وضمان أساليب تكفل عدالة التوزيع، وإنصاف كل الطبقات بالتوازي وبالتساوي .

 ــــــــــــــ

                                                                              المصدر : الاهــرام الاقتصادى

              الإثنين  22 يونية 2009