رسائل أوباما وميديفيف .. وما بينهما .!!

 

 

 

                  السفير / جمــال الديــن البيومــى    

انطلقت من القاهرة في الشهر الحالي ثلاثة رسائل عالية الأهمية والمستوي. خاطبت المنطقة العربية والعالم الإسلامي من ثلاثة زوايا عالمية:

       الأولي    رسالة الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما من جامعة القاهرة في الرابع من يونيو.

       والثانية - أطلقها من جامعة القاهرة فولفجانج شويبله وزير داخلية ألمانيا الاتحادية يوم 21 يونيو.

       والثالثة - وجهها الرئيس ديمتري ميدفيديف، رئيس روسيا الاتحادية من جامعة الدول العربية يوم 24.

رسالة الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما حظيت باهتمام شعبي ورسمي وبتغطية إعلامية غير مسبوقة استحقتها كرسالة مميزة أجابت علي تساؤلات كثيرة بشجاعة وموضوعية. ولقد تلقيت في ذلك اليوم نحو احدي عشر اتصالا تليفونيا من صحف وإذاعات ومحطات تليفزيونية تطلب التعليق علي الخطاب. بعضها كان علي الهواء. وبعد كل ما قيل حتى الآن، ربما بصعب إضافة المزيد من التعليق.

محاضرة وزير الداخلية الألماني كانت بعنوان "أديـان تعيش معا في ألمـانيا وأوربـا" وحضرها حشد ضم رؤساء وزارات سابقين ووزراء حاليين وسابقين وعدد كبير من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين، ضاق بهم البهو الرئيسي لقاعة احتفالات جامعة القاهرة. ومع ذلك لم تحظ المناسبة بالاهتمام الإعلامي المتوقع تجاه ضيف يعتبر من أبرز زعماء الحياة السياسية والحزبية في بلده منذ تولي منصب وزير الشئون السياسية بمكتب المستشار هيلموت كول سنة 1982. فضلا عن أهمية موضوع المحاضرة، ومناقشة علاقات الحضارات والأديان في أوربا ومشاكل الهجرة غير المشروعة.

وخلافا لما نستمع إليه من أصوات أوربية تحدث المسئول الألماني عن أهمية الأديان لدي البشر، وخطأ مقولة أن الأديان تتراجع. بل أكد ازدياد أعداد الذين تشكل قناعاتهم الدينية جانبا هاما من حياتهم. وصارت تشكل مصدر إلهام للأفكار وركيزة للحضارات الغربية والعربية. وسند لا يباري في تأكيد حقوق الإنسان. وتنبأ الوزير بأن الأديان سوف تضطلع بدور هام في مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. ويشمل ذلك الأديان التي يشكل معتنقوها أقلية في بلدانهم.

قدم الوزير نفسه كضيف مسيحي بروتستنتي في مصر مرحبا بعدم التمييز وبالحوار والتعايش بين الأديان. وأشار مع ذلك إلي ما أسماه بالحروب الدينية علي مر العصور مثلما جري في أيرلندا وغيرها. ودعا إلي تجنب سوء الفهم الناتج عن مساواة الغرب بالحداثة، ومساواة الإسلام بالأصولية. ولفت النظر إلي الأبعاد المختلفة للتواصل والحوار بين الثقافات، والتعايش بين الأديان، والتعاون والتفاهم بين الغرب والعرب. وألمح إلي أن الحفاظ علي العلاقات بين الأديان داخل كل منطقة جغرافية لا يقل أهمية عن الحرص علي العلاقات الطيبة بين الشرق والغرب. وأوضح أن العلاقة بين الأديان إنما تمارس عن طريق علاقات الأفراد ببعضهم البعض. لكن تبقي الحكومات مسئولة عن توفير المناخ والظروف الملائمة.

وأوضح موقف الدستور الألماني الذي يفصل بين الكنيسة والدولة، ولكن ليس بالدرجة التي بلغها الموقف في فرنسا من علمانية كاسحة. فالدولة الألمانية تتبني فكر المشاركة بين الدين والدولة (رغم فصلهما) وتعترف بالبعد الديني في حياة وسلوك الأفراد. ويسمح نظام التعليم للطالب أن يختار بين دراسة ديانته، وبين دراسة الأخلاقيات العامة في نظام تعليم علماني. وتستفيد المؤسسات الدينية المسيحية واليهودية في ألمانيا بهذا النظام لتعليم أصول الدين للطلاب من أتباعها. وهذا النظام مفتوح للمسلمين في ألمانيا للاستفادة به. وهو أمر لم يتم رغم وصول عدد المسلمين في ألمانيا إلي نحو ثلاثة ملايين مواطن. واعترف - كبروتستنتي ألماني - أن هناك بين أفراد طائفته من ينكر الديمقراطية، مثل كثير من أفراد الطوائف والأديان الأخرى. وأن الحل لمواجهة ذلك هو إعمال قواعد القانون والدستور دون أي تحفظات.

تحدث الوزير الألماني عن دور المهاجرين في ألمانيا وأهمية أن يصبحوا جزءا من المجتمع وأن يندمجوا فيه ويتحدثون لغته حتى لا ينفصلوا عن باقي المواطنين. وأنه علي المجتمع أن يعترف بالمهاجرين كجزء منه. مع أهمية الفصل بين تحديات التعايش بين الأديان، وبين الحوار بين الحضارات والثقافات في إطار العلاقات الخارجية والدولية، لخطورة الخلط بين المسألتين. وأوضح أن تاريخ أوربا والإسلام شهد معاهدات للسلام رغم ما تخللته من حروب ومواجهات. مؤكدا أن شجرة الزيتون ما زالت تنمو كرمز للسلام، جاء ذكره في القرآن والإنجيل.

حظي المحاضر والمحاضرة بفيض من التعقيبات والأسئلة. تصدرها تعقيب الأستاذ الدكتور عبد العزيز حجازي الذي دعي لتجنب الخلط بين الديانات، وبين سلوك أتباعها (مثل الخلط بين الدين الإسلامي وبين ممارسات المتطرفين). ونبهت الدكتورة ليلي تكلا إلي أن الإسلام والمسيحية لم يكونا أبدا في مواجهة أو حرب عبر التاريخ. وأن الصراع في أيرلندا لم يكن بين طوائف وديانات وإنما بين قوة محتلة وأبناء بلد محتل. (كالحال في فلسطين)

في مداخلتي دعوت الوزير لعدم الشعور بالغربة كمسيحي في مصر التي هي مسيحية أكثر من بعض بلدان أوربا لأن عدد مسيحيي مصر أكبر من تعداد بعض تلك البلدان. ودعوته ألا يقدم نفسه كممثل للمسيحية في مواجهة ممثلين للإسلام في مصر التي هي مهد الأديان جميعا. وتضم القاهرة أقدم معبد يهودي وأقدم كنيسة، وثالث أقدم جوامع الإسلام. فالغرب ليس المسيحية والشرق ليس الإسلام فقط. والإسلام لا يمكن أن يناصب المسيحية أو اليهودية العداء. فقد أمرنا بنص القرآن أن نؤمن بالله ورسله وكتبه لا نفرق بين أحد منهم، خضوعا للآية الكريمة (بسم الله الرحمن الرحيم: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ صدق الله العظيم" – البقرة 136).

 

أما الدكتور حسام بدراوي فقد أبرز في مداخلته التساؤل حول موقف ألمانيا من دعوة رئيس وزراء إسرائيل لقيام الدولة علي أساس هوية دينية واحدة هي اليهودية. وللأسف أصيب الوزير بالرعب الألماني التقليدي فأشار لجرائم الحرب الثانية وعقدة الذنب عند الألمان تجاه اليهود.. ولم يسترسل الوزير طويلا ، قبل أن يرجو إعفاءه من مواصلة الحديث حول هذا الموضوع. فتأكد لنا الخلل الذي أصاب السياسة الخارجية الألمانية في السنوات الأخيرة تجاه الشرق الأوسط وإسرائيل، بالعودة لدعاوي عقدة الذنب، بعد أن أعلنت حكومة هلموت كول عام 1983 أن علاقات الدول تقوم علي المصالح المشتركة وليس علي عقدة الذنب. وأنه حان الوقت للكف عن تحميل أجيال ألمانيا المعاصرة بجرائم لم ترتكبها، وقامت حكومات ألمانيا المتعاقبة بالتعويض عنها عشرات المرات.

أما كلمة رئيس روسيا من مقر جامعة الدول العربية فقد جاءت بعد حديثه مع الأمين العام عمرو موسى. ووجه الرئيس ميدفيديف في كلمته الموجهة إلى بلدان المنطقة الرسائل التالية:

·        حصلت روسيا على موافقة مبدئية من جميع أطراف المنطقة، بما فيها الحكومة الإسرائيلية الحالية، على المشاركة في مؤتمر موسكو حول الشرق الأوسط. وشدد علي أن توقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية طويلا، يثير قلقا متزايدا لدى جميع المهتمين بإيجاد تسوية عادلة في المنطقة.

·  يدل خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالقاهرة على أن الإدارة الأمريكية الجديدة تدرك عدم جدوى التدخل في شئون العالم العربي لفرض نمطها "الديمقراطي" عليه.  وتتفهم موسكو جيدا سعي الدول العربية نحو السير على طريق التحديث والتنمية مع الاحتفاظ بتقاليدها القومية والدينية.

·  على كافة أطراف الصراع أن تلتزم بتعهداتها بما في ذلك تلك المتعلقة بمكافحة الإرهاب والتخلي على تصرفات أحادية الجانب وتشمل النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، لأن أمن الشرق الأوسط لا يمكن توفيره إلا على أساس إيجاد تسوية شاملة وعادلة للنزاع العربي الإسرائيلي.

·  النتيجة المنطقية الحتمية للتسوية السلمية تتمثل في قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة قائمة بذاتها عاصمتها القدس الشرقية تعيش في أمن وسلام مع جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل. وفي نفس السياق يتوجب إيجاد صيغة عادلة لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.

·  تهتم روسيا المتعددة القوميات والأديان، بضمان الوصول الحر للمتدينين إلى أماكن الديانات السماوية الثلاث في الأراضي المقدسة.

·   ضرورة استعادة وحدة الصف الفلسطيني على أساس المبادرة العربية وقاعدة منظمة التحرير الفلسطينية، مع تأييده التام لجهود القيادة المصرية الرامية إلى تجاوز الانشقاق الفلسطيني.

ومن جانبه أعلن عمرو موسى في تقديمه للرئيس الروسي أن البلدان العربية تؤيد اقتراح روسيا بعقد مؤتمر دولي في موسكو حول التسوية في الشرق الأوسط. وشكر الأمين العام، روسيا الاتحادية على موقفها العادل تجاه القضية الفلسطينية في مجلس الأمن الدولي وفي اللجنة الرباعية للوسطاء الدوليين للتسوية في الشرق الأوسط وكذلك على دعم المبادرة العربية الرامية إلى إيجاد تسوية سلمية مع إسرائيل.

وظهر خلال الزيارة أن مواقف روسيا ومصر تجاه قضايا الشرق الأوسط متقاربة وربما متطابقة. وتتوقع القاهرة موقفا روسيا حازما تجاه الحكومة الإسرائيلية التي صعدت من سياسة التشدد وفرض الشروط المستحيلة.  ومن هنا دخلت مصر وروسيا في مشاركة إستراتيجية. وفي هذا ذكر وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" خلال لقائه بوزير الخارجية أحمد أبو الغيط في موسكو أن الحوار الروسي المصري المكثف أخذ يكتسب في الفترة الأخيرة صفات المشاركة الإستراتيجية. التي تشمل التعاون السياسي والاقتصادي. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا ومصر 3.4 مليار دولار في عام 2008 (وفق الأرقام الروسية). ومع ذلك فما زلنا بحاجة لجهد مضاعف لاستعادة السوق الروسي الذي كان يستوعب مع بلدان المعسكر الاشتراكي حتى مطلع السبعينيات نحو 68% من حجم تجارة مصر الخارجية.

وتحتاج بيانات التجارة الخارجية المصرية للتدقيق. فحجم التجارة مع روسيا - وفقا لبيانات البنك المركزي المصري - بلغ في عام 2008 الأرقام التالية، فقط، بفارق تقل فيه الأرقام المصرية بأكثر من مليار دولار عن أرقام المصادر الروسية:

بالمليون دولار

2006

2007

2008

صادرات مصر

132

173

208

واردات مصر

1241

1860

1922

حجم التجارة مصريا

1373

2033

2130

حجم التجارة روسيا

--

--

3400

والغريب أننا نجد هذا الاختلاف أيضا في تجارة مصر مع شركائها الرئيسيين في الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة بفارق يصل للمليارات. فهل لهذا علاقة بالقضية التي أعلن عنها في صدر الصفحة الأولي بالأهرام يوم 25 يونيو من ضبط بوالص شحن مزورة تضيع علي الدولة 500 مليون جنيه. واضح أن هناك من يزور بالتخفيض من حجم صادراتنا ووارداتنا، تجنبا للرسوم الجمركية وتهربا من الضرائب.

والمهم أننا نجد بهذا كله، أن مصر هي الدولة التي اختار الرئيس الأمريكي أن يتحدث منها إلي العالم الإسلامي. والدول التي تحظي باهتمام قادة أوربا للحديث منها وإليها . كما أنها أول دولة عربية وافريقية يزورها الرئيس الروسي، الذي هدف من زيارته دعم التعاون الاقتصادي بين البلدين، بجانب تنسيق سياسة روسيا في الشرق الأوسط مع مصر اللاعب الرئيسي في المنطقة، خاصة بعد التحدي الذي تواجهه عملية التسوية في الشرق الأوسط بمساراتها الثلاثة - الفلسطيني والسوري واللبناني- بعد وصول اليمين المتطرف بزعامة بنيامين نتانياهو إلى الحكم في إسرائيل. وتقوم مصر بدور الوسيط المرن في حل القضايا. حتى صارت القاهرة ميدانا رئيسيا للمباحثات بين الفلسطينيين أنفسهم وبين العرب والإسرائيليين. وهذا يفرض علي الدبلوماسية أن تواصل قيادتها لعملية السلام والتنمية علي أوسع نطاق.

 ــــ

 

 

                                                                              المصدر : الاهــرام الاقتصادى

              الإثنين  29 يونية 2009